يوميات شريك مخالف

Tuesday, December 27, 2005

أين كان الله


أين كان الله؟

1

في 26 ديسمبر 2004 وبينما البشرية في حالة ارتباك روتيني عادة ما تنتابها في اللحظات الفاصلة بين عام وعام، برزخ فاصل بين موت وحياة، بين ألمٍ يخبو وأملٍ يحبو، بين صرخة الفقد ووعد بعزاء اللقيا أسندت البشرية رأسها ومددت قدميها علي كرسي شيزلونج في محاولة لالتقاط أنفاس تقطعت في عام يوشك علي الرحيل، وبينما أمسكت بورقة وقلم تدون قائمة بالمرارات التي جازتها هذا العام ، ضارعة للعلي لعله يمنع عنها مرارات جديدة، ومحاولةً تلمس ملامح عام يوشك علي الميلاد إذ بها تهب فزعة علي أثروحش هائج نشب مخالبه وفكه في لحمها فأسال منها الدمع قبل الدم. كان تسونامي اسم الوحش الذي أجهز علي الألاف من البشر جلهم من الفقراء الذين بالكاد يجدون قوت يومهم، وقوض العديد من الأبنية، منها – وهو الأمر اللافت – دور العبادة من معابد بوذية وهندوسية ومساجد وكنائس

في ذكري كارثة تسونامي أذاعت البي بي سي بالأمس برنامجاً بعنوان تسونامي: أين كان الله.
علي كثرة ماقيل حول تسونامي تميز هذا البرنامج بصدق آسرلا تملك معه إلا أن تنصت إليه بوجدانك قبل آذنيك: هو بحق درس في كيف يكون الإعلام كاشفاً، مزيلاً للغشاوات، منيراً للعقول، ومتلامساً مع الألم الإنساني بروحٍ رهيفة، وعقل جسور قادر علي طرح الأسئلة الجوهرية بجرأة دون وقاحة

مقدم البرنامج التسجيلي باحث في الأديان وراهب دومينيكاني سابق شغله من كارثة تسونامي سؤال جوهري: أين كان الله عندما وقعت الكارثة؟
السؤال جر ورائه سلسلة أخري من الأسئلة لا تقل صعوبة عنه:

هل يمكن أن يكون الله قد سمح بوقوع هذه الكارثة؟
وإن كان سمح بها، أفلا يتنافي ذلك مع رحمته ومحبته؟ وأي سبب ذلك الذي يجعله يعرض خليقته التي جبلها علي صورته لهذا البلاء؟
أم أن الأمر برمته لا صلة له بالله، وإنما مرده إلي قانون الطبيعة وحده، ولا تفسير له إلا من خلاله؟ فالطبيعة لها قانون بلا قلب ولا مشاعر

هذا السؤال الأخير يبطن سؤالاً أخطر لم يصرح به مقدم البرنامج، وإن كان تركه لحدس المشاهد يستولده مما فات من الأسئلة:

هل الله بوصفه خالقاً للكون والكائنات موجود فعلاً، أم أنه مجرد فكرة خلقناها نحن البشر نحل بها معضلات الكون، ونغلب بها المجهول، وننسب إليها ما استغلق علي أفهامنا؟

لم يأخذ المقدم/الباحث هذه الأسئلة ليطرحها علي مجموعة من الفلاسفة وعلماء الأديان داخل ندوة بحثية مغلقة. لكنه قرر أن يحمل هذه الأسئلة إلي من جازوا في التجربة، الذين اكتوا بنارها، وعرفوا ألم الفقد، الترمل، واليتم، وفقد الأبناء، والتهجير من بيوت ابتلعتها الأمواج.

تدور الكاميرا وسط المناطق المنكوبة لترسم لوحات لوجوه لم تستطع رصانتها البادية أن تخفي دراما الألم بداخلها

طفل ساهم ينظر في اللاشئ
"فقدت أبي وأمي وأختي"
امرأة تقبض علي يد طفلتها وكأنها تتوقع موجة أخري عاتية تأتيها من حيث لا تعلم
"فقدت زوجي وأولادي الثلاثة بينما كانوا يعملون في الدكان"
راهب بوذي حليق
"فقدت أربعة من رفاقي الرهبان بينما كنا في جلسة تأمل"

معظم الإجابات التي تلقاها المقدم/الباحث انحصرت في اثنتين:
- هذا اختبار من الله، ليري إن كان إيماننا به سيثبت أم سيتزعزع
- إن الله أراد بهذا البلاء أن يطهرنا من آثامنا

تدخل الكاميرا بنا إلي مكان مظلم فإذ بنا أمام شاب اندونيسي يلبس الكاكي ويعتمر كوفية سعودية ويمسك كلاشينكوف. نعرف أنه قائد احدي الميلشيات الإسلامية المتطرفة. يقول رداً علي التساؤلات: إنه عقاب من الله لما انتشر وسط الفتيات من ارتداء لملابس ضيقة وتبرج وركوب الدراجات البخارية وراء الفتيان

مشهد آخر: ملصق وجدته كاميرا الباحث لكنيسة معمدانية يقول: ذاك غضب من الله لوجود السائحين الشواذ علي شواطئنا. في نفس اللحظة تتحرك الكاميرا بسرعة ليظهر وجه سائح سويدي تحدث عن موت 15 طفلاً من أكثر من عائلة سويدية جاءت لقضاء الأجازة.

أي إله بائس هذا الذي يتحدث عنه هؤلاء الحمقي؟
أي إله هذا الذي يقضي علي الآلاف لكي يختبر إيمان أو يطهر روح؟

لم أر إيماناً في هذه الإجابات
لكني رأيت قلوباً مكسورة تشبثت بإجابات جاهزة، في أغلب الظن أنها تلقنتها من رجال دين بائسين، رجال دين احتكروا الله وأفعاله لهم. هؤلاء لديهم تفسير لكل شئ، اجابات جاهزة، ومعادلات معدة لكل تجربة وألم انسانيين

لفت نظري تلك السيدة التي فقدت زوجها وأولادها الثلاثة. عندما سألها المقدم عن الله، أجابت بعيون تبذل جهداً واضحاً في اغلاق مآقيها: إني أكره الله. أعلم أنه موجود، ولكني أكرهه

لمسني من السيدة هذا الشك النبيل، ولحظة العتاب مع الخالق، هي لا تنكر وجوده، لكنها عاتبة عليه، رأيت في لحظة الشك تلك حباً لم أره في الإجابات الجاهزة عن الله الغاضب المجرب. ورأيت في ترددها بين الإنكار والتسليم إيماناً لم ألمسه في كلام المشايخ والرهبان البوذيين والقساوسة الذين ظهروا في البرنامج، كل منهم لا يعرف من الله سوي ما ضمه كتاب يمسكون بها، ويجدون فيه كل الإجابات لكل الأسئلة

خرجت من البرنامج وأنا علي قناعة بأن الأديان حجبت الله بما أقامته من مؤسسات ورجال دين وتفسيرات جاهزة وطقوس صماء عجماء. الأديان –علي الأقل في تفسيراتها وصيغها الرسمية والشعبية السائدة – لم تترك فرصة للفرد أن يري الله بعيداً عن ضوضاء التفاسير، وبغبغة رجال الدين، وبعيداً عن الدين الجماعي الذي يؤدي في أفضل الأحوال إلي فقر روحي ونفسي وبله فكري، وفي أسوأ الأحوال إلي عنف طائفي.
2

موقف بين يديه
أوقفني بين يديه وقال لي أجعل الحرف وراءك وإلا ما تفلح أخذك إليه.
وقال لي الحرف حجاب وكلية الحرف حجاب وفرعية الحرف حجاب.
وقال لي لا يعرفني الحرف ولا ما في الحرف ولا ما من الحرف ولا ما يدل عليه الحرف.
وقال لي المعنى الذي يخبر به الحرف حرف والطريق الذي يهدي إليه حرف.
وقال لي ما عرفني من عرف قربي بالحدود ولا عرفني من عرف بعدي بالحدود.
وقال لي ما شيء أقرب إلي من شيء بالحدية ولا شيء أبعد مني من شيء بالحدية.
وقال لي الشك في الحرف فإذا عرض لك فقل من جاء بك.

المواقف والمخاطبات للنفري

8 Comments:

  • السؤال الأهم دائما هو أين كان الانسان

    هل بذلنا أقصى جهدنا في محاولة توقع الكوارث

    هل بذلنا أقصى جهدنا في الاستعداد للكوارث

    (الموجة تشكلت في مدة طويلة، التسونامي مش زي الزلزال بيخبط فجأة)

    هل بذلنا أقصى جهدنا في الاغاثة و الانقاذ

    هل بذلنا أقصى جهدنا في اعادة التعمير و التعويض و التأهيل؟

    هل تعلمنا أي دروس عملية (تولع الدروس الروحانية)

    مش ممكن أصدق أن البلايين اللي بنصرفها على الأسلحة و الجيوش و الحروب ده أحسن استغلال ليها في الوقت اللي الأعاصير و الزلازل و البراكين و الأمواج و الأمراض و الجوع و العطش و البرد و الحر بيقتلوا و يشردوا الملايين.

    أين كان الانسان؟

    و حلاوة السؤال ده أن دايما الاجابة هيبقى فيها جزء ايجابي ملهم، غالبا لم نبذل أقصى جهدنا كمجتمع بشري، لكن فينا بذلوا و أعطوا، فينا أبطال ظهروا من حيث لم نتوقع، حتى الجماعات المسلحة المقتنعة بأن ده عقاب الرب شاركت في الاغاثة.

    By Anonymous Alaa, at 2:37 AM  


  • تدوينة جميلة وفعلا الموضوع يحتاج إلى المزيد من التأمل

    ولكنني دائما لا أفهم انفعالات البشر مع الله عند حدوث الكوارث الكبرى
    فما الفرق بين موت عدة الاف او حتى ملايين، وبين موت عبثي لشخص واحد
    لماذا تعتبر تسونامي كارثة تحتاج إلى ان نبحث عن دور الله فيها
    ولا تكون كذلك عند وفاة شخص في حادث سيارة أو غرقا في البحر أو من تاثير فيروس لم نجد له علاج او اخر فشل الاطباء في اكتشافه مبكرا و حتى موتا بالشيخوخة
    ان كان دور الله ان ينقذ هؤلاء فلينقذ أولئك، ولكن ان كان لا يفعل فنحتاج ان نفهم اكثر - ان كنا نعتقد انه ليس اختراعا بشريا - نفهم اكثر ما هو دوره وعلاقته بنا

    By Blogger Darsh-Safsata, at 10:37 AM  

  • اهلا بيك فى الموضة الجديدة
    محاولة الظهور بمظهر المفكر الكبير والعالم ببواطن الامور
    وحتى تكتمل النصبة ما فيش مانع الاستعانة ببعض الكتابات والتعليقات لزوم الدندشة و اضفاء جو
    ودى نصيحة من الامام النفرى برضة
    اجعل بينك و بين الجهل فرقا من العلم والا غلبك و اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة والا اجتذبتك

    By Blogger adhm, at 12:00 AM  

  • علاء:
    لا أختلف معك فيما قلت. لم يكن الهدف الأساسي من المدونة الحديث عن دروس روحية، بقدر ماكان ابراز الكيفية التي تستخدم بها الأديان للتضييق علي الإنسان، وللحجر حتي علي خبراته الشخصية وتحويل كل شئ في حياتنا إلي سؤال اجابته موجودة مسبقاً، من الظواهر الطبيعية حتي آلامنا الشخصية.الإجابات جاهزة وموجودة وما علينا إلا أن نسأل أولي الأمر.

    درش سفسطة:
    أشكرك يا عزيزي علي اطرائك وأتفق معك فيما تقول. تسونامي تستدعى التأمل في أمور كثيرة، ربما ليس أهمها علاقتنا بالله.

    علي اسم مصر: يا سيدي اجتهدت كي أعلق علي ما قلت، ولكني لم أجد ما أعلق عليه. أشكرك علي أي حال.لكني لم أفهم الموضة التي تتحدث عنها، ولا أظنني أحاول الظهور بمظهر المفكر الكبير ولا الصغير. ينفع مفكر بس من غير مقاسات؟ أهلاً بك في المدونة. .

    By Blogger Sameh, at 1:40 PM  

  • ان رب الكون موجود هوه الذى يجيب دعوه المظلوم وينصره انه هوه من تدعوه فتقول يارب فيجيك لبيك عبدى انا مش عارفه ازاى انتوا بتتكلمو كده عن ربنا اللى خلقنا كلنا واللى دايما بيساعدنا ايوه لا اله الا الله وحده لا شريك له كل واحد فينا جواه احساس بانه فيه حد بيساعده وبينصره صدقونى اصلحوا علاقتكم برب هذا الكون وان كان صحيح بيحصل كوارث او حد بيموت مقتول او فيه ارهاب بيحصل فى بعض البلاد فاعلموا اخوتى ان ربنا مش غافل ابدا عن كل ده وانه هينتقم لعباده بس ربنا حكيم كل شىء ليه وقت واما عن النفوس والارواح اللى ضاعت فماهو الافضل؟ انه ربنا ياخد حقهم فى الدنيا دلوقت ولا بالصبر هياخد ربنا حقهم فى الدنيا ويوم القيامه وقت الحساب ربنا هياخد حقهم وهيدخلوا الجنه صدقونى ربنا موجود وفيه جنه وفيه نار وربنا رحيم جدا جدا جدا يبتلينا لانه يحبنا يبتلينا وهوه احن علينا من ابائنا يبتلينا ويسأل الملائكه ماحال عبدى؟ ان ربكم ارحم الراحمين اخوتى انا اثق بالله جدا ومتاكده انه سينصر عباده واثقه فى ذلك
    (وما الله بغافل عما يفعل الظالمون)

    By Anonymous Anonymous, at 6:02 PM  

  • دعا احد الصالحين الله ليلة كاملة " ان ترحمنى فانى احبك وان تعذبنى فانى احبك"

    By Blogger Arab engineer, at 12:53 AM  

  • شكرا

    By Anonymous برامج التصميم, at 11:05 AM  

  • By Anonymous bayt4, at 2:40 PM  

Post a Comment

<< Home