يوميات شريك مخالف

Sunday, December 11, 2005

مرة واحد مثقف


مرة واحد مثقف..


"ده راجل صايع طول السنة، ييجي قبل العيد الصغير يلف علي البيوت، يلقط كم كحكاية من هنا، علي كم حتة غُريبة من هنا، ودمتم". لم يكن ذلك تعريفاً للمثقف، وإنما جملة حوارية قالها المواطن آدم عبد ربه آدم رداً علي ابنته الصغيرة التي استغلق عليها معني لفظة "مسحراتي" التي وردت في سياق حديثه مع زوجته في مسرحية الهمجي. ينفجر الجمهور في الضحك بينما يتلو آدم تعريفه وهو يمط في ’صايع‘ و’سنة‘ مصاحباً إياه ببعض الخنفان المميز لتلك الشخصية. عن المسحراتي وحال المثقف في المحروسة دار بيني وصديقي هذا الحوار:

بس هو مش صايع أوي يعني. دا الراجل بيحفي طول الشهر الكريم عشان يصحي الناس تاخد سحورها قبل ما يحل موعد الإمساك.

- هذا لا يعفي الرجل من لقب ’صايع‘، وإنما يضيف إليه واحداً من لقبين: ’أهبل‘ أو ’مستهبل‘أو بعبارات أخري ’طيب‘، ’غلبان‘، ’علنياته‘ أو ’نطع‘، ’لطخ‘، ’عالة علي المجتمع‘. في الحالتين فإن هذا الصايع إما موهوم، لا يري أن دوره قد غادره قطاره الزمن، فالناس ليست بحاجة إلي من يوقظها،فعيونها يواقظ ، تكاد تنخلع من محاجرها وهي تراوح بين القنوات، الأرضية منها والفضائية وتلهث بين برامج عبد الرحمن حافظ واعلانات ايهاب طلعت، أو هو نصاب يحاول اقناع الناس بجدوي ما يفعل، حتي لو كان علي سبيل استرجاع الماضي في صورة عرض متحفي حي مدعوم بالصوت والصورة، ومستمر لمدة شهر.

سؤال: هل ثمة وجه شبه بين المسحراتي كما ورد في تعريف آدم عبد ربه آدم و "المثقف"؟

- عايز تقول الإتنين صِيع؟

نعم، وإن كان ماأقصده بالصياعة هنا يعني كل من البطالة والبطلان. المثقف عاطل عن الفعل، وإن كان يتوهم أن ما
يأتيه فعلاً. هو وحده الذي يظن أنه فاعل، أو يحاول أن يقنع نفسه بذلك عشان يحلل لقمته من مقال هنا أو مقال هناك. بطالته سبب بطلانه، ولغوه مصدر إلغاءه.

- بس ما تنكرش إن الإتنين بيفكرونا بزمن جميل مضي.
- لكنهما لا يصنعان زمناً أجمل قد يأتي.
-يعني عايز تقوللي إن كل المثقفين الموجودين دلوقتي مافيش منهم فايدة؟
- ولا عايدة، بدليل أنهم أسلموا بسلامتها المحروسة (محروسة من إيه؟ ومن مين؟ وهل هي فعلاً محروسة؟) بيضة مقشرة للفاشيين الجدد. تجدهم الآن يجوبون الشوارع والأزقة، يقرعون الطبول بكل حماس، وينادون علي النائمين أن ينتبهوا إلي خطر الدولة الدينية، ولكنهم لا يعرفون (أو يعرفون ويستهبلون) أن طبولهم بكماء لا تنبه نائم، وأصواتهم عجماء لا تروق لسامع. وحتي لا تتوه المعاني يا صديقي أعود إلي عبارتك "المثقفين الموجودين دلوقتي". أفهم هذه العبارة علي أنها إشارة إلي جيل المتحكمين في مقاليد القرار الثقافي (أو هكذا يبدون)، وهؤلاء هم ممن يتمتعون بسلطة نسبية، إما رسمية تتخذ شكل منصب رسمي، أو رمزية، وتلك غالباً ما يكون مرجعها انتماء المثقف أفندي، بالفعل أو بالصدفة، إلي شئ مقئ يصيبني بالغثيان، هو أشبه بالمصاصة التي يلعقها الصغار لتزجية الوقت، حين لا يجدون مايفعلونه، أو حين يريدون إثارة غيرة الأقران. المصاصة و"جيل الستينيات" زي بعض: ألوان فاقعة ووجع بطن. النوع الثاني تتيح له المصاصة والشعر الأبيض امتلاك عمود في مطبوعة أدبية، أو الإشراف علي صفحة أدبية, او حتي امتلاك مجلة أدبية من بابها. هم دول الموجودين يا صديقي. المشترك بين الفئتين العطالة والبطالة/البطلان وهو ما يجمعها بالمسحراتي. الإختلاف: المثقف أبو بدلة ومكتب وسكرتيرة من فئة "المستهبل" أما أبو قميص وبلوفر وشعر أبيض منكوش وعليهم عمود في جريدة فغالباً من فئة "أهبل" وأحياناً وعند الضرورة مايضرش الاستهبال. لا يختلف الإثنان كثيراُ عن المثقف أبو يافطة الذي تحدث عنه صديقنا إبليس. المستهبل والأهبل قد لا يحملان يافطة، ولكنهما يجيدان ارتداء سحنة وسمت المثقف بطرق مختلفة. في كل الحالات هم خارج الزمن، وخارج الفعل.
عند ذلك استأذن الصديق في الرحيل، بعد أن وعدته بحديث مفصل عن "الأهبل" و"المستهبل".

لقطة في زمن آتٍ

الزمن: العام 50 من التقويم المهدوي (تقويم إمارة إخوانستان الإسلامية، جمهورية مصر العربية سابقاً) الموافق عام 2066 بتقويم العهود البائدة.
المكان: دار محفوظات العهد البائد، قاعة المطبوعات الكفرية القديمة.
يقلب في صفحات المجلدات المخصصة للمجلات الأدبية القديمة بعد أن حصل علي فتوي بذلك مصحوبة بإذن من إخوانية (اللفظ المعتمد بدلاً من وزارة سابقاً) الإرشاد الثقافي. يقع علي غلاف إحدي المجلات. يتأمل صورة الغلاف: مجموعة من البهاليل يلتفون حول شيخ لا يكاد يراهم أو يسمعهم، يتحلقون حوله وكأنهم في رقصة بدائية وفي وسطهم الطوطم الذي يرجي منه إعادة الحياة لقبيلة أدركها الموت.يفغرون أفواههم عن بسمة رضا، وتعلوهم عبارة: "الدولة الدينية خطر علي مصر". ينظر إلي الصورة مبتسماً وهو يتمتم: "كفرة وهبل كمان"، يضع المجلد جانباً ، وينسحب بهدوء قبل أن يمسكه الأخ الموظف المسئول عن القاعة متلبساً بالابتسام.

لقطة من الزمن الحاضر:

برنامج توك شو يجمع قطب إخواني، ورئيس حزب يساري خسر كل مرشحيه في الإنتخابات الحالية، ومرشحة عن نفس الحزب.
المذيعة: نسمع كلمة أخيرة من السادة الضيوف
القطب الإخواني (في حالة نشوة واضحة): أشكر مرشحي و شباب الإخوان علي تنظيمهم واعدادهم، وأشكر الشعب المصري علي إيمانهم ببرنامجنا.
رئيس الحزن(يأخذ نفساً طويلاً كمن يتأهب لخطبة عصماء، بينما ترتعش يداه، وترمش عيناه): إلي إخواني مرشحي الحزب... لقد دخلتم معركتكم بشرف، ويكفيكم أنكم حاولتم....("هو ماتش كرة يا عم الحاج").

لقطة من زمن ماضٍ:

رفاعة الطهطاوي حول باريز، وعلومها، وما فيها من كتب فلسفة:

"ان كتب الفلسفة بأسرها محشوة بكثير من هذه البدع...فحينئذ يجب علي من أراد الخوض في لغة الفرنساوية المشتملة علي شئ من الفلسفة أن يتمكن من الكتاب والسنة حتي لا يغتر بذلك ولا يفتر عن اعتقاده وإلا ضاع يقينه، وقد قلت جامعاً بين مدح هذه المدينة وذمها:

أيوجد مثل باريس ديار شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباح أما هذا وحقكم عجيب"
(تخليص الإبريز، ص 180)

حتي الطهطاوي طلع إخوانجي!!

أقوال مأثورة:

جوبلز: عندما أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي.
أنا: عندما أسمع كلمة مثقفين أتلمس أقرب شبشب ماركة زنوبة.
أنا تاني: كلمة مثقف ستندثر، مثلها مثل المسحراتي، ولن تجد لها مكاناً إلا في عبارة واحدة يفتتح بها أحدهم نكتة بايخة في قاعدة أنس لا يميز السامعون فيها جودة النكت: "مرة واحد مثقف..."





8 Comments:

  • يقال انه لم يكن جوبلز

    By Blogger أحمد, at 2:47 PM  

  • نورت المدونة يا إبليس باشا. مش متأكد إن كان جوبلز ولا لأ، فقد نقلت العبارة كما تواترت علي أسماعنا، ولكن هأتأكد من المصدر وأرجعلك.

    By Blogger Sameh, at 6:42 PM  

  • This comment has been removed by a blog administrator.

    By Blogger beastboy, at 9:46 PM  

  • حلو الكلام جدًا، المشكلة أن المثقفين سكنوا في أدوراهم العليا(فوق السطوح)، وأصبحت لغتهم "متعالية" على المواطن. لغتهم أبعد ما تكون عن لغة تواصل مع المواطن البسيط، بل لغة للتفاخر، وللاستعراض، الهدف منها نيل إعجاب عدد من المثقفين الآخرين وليس الوصول إلى العامة (اللي مش من مستواهم الفكري) وده طبعًا من أسباب الأزمة وعدم الشعور بوجودهم من الأساس. احتمال تكون المسألة محتاجة ترجمة، ولغة وسيطة. ولا أنت إيه رأيك؟

    By Blogger beastboy, at 10:26 PM  

  • بتتكلم كأن كلمة مثقف دي مهنة مش وصف لشخص . قصدي أن المسحراتي دي مهنته بس المثقف (دة لو موجود أساسا ) له مهنة . أي نعم بيبقى لي نفس رد فعلك لما بسمع كلمة مثقف . إلا إني عايزاك تعرفلي كلمة مثقف

    By Blogger change destiny, at 2:50 AM  

  • شخصية افتراضية: ماذكرتيه عن الحاجة إلي لغة وسيطة يؤكد ما حاولت هذه التدوينة الإشارة إليه، وهو غياب الدور الاجتماعي/السياسي لما يعرف بالمثقف، وغياب تلك اللغة الوسيطة التي تمكن المثقف من الإشتباك مع واقع الناس واتخاذ مواقف واضحة من قضاياهم. ما حدث في مصر بعد قدوم العسكر، ومع تضييق الخناق علي أي ممارسة سياسية لا يرضي عنها نظام العسكر أن المثقفين اغتربوا عن واقعهم (والمسألة هنا نسبية، وتتفاوت من فرد إلي آخر)وبدلاً من أن يسعوا إلي خلق حداثة اجتماعية/سياسية اهتموا بخلق حداثة نصية، علي الورق يعني ، حداثة لا يتداولها سوي أقرانهم من المثقفين. النتيجة أن المثقف صار خارج اللعبة السياسية في مصر. إلق نظرة سريعة علي تشكيل مجلس الشعب الحالي، سترين أن قوامه عنصرين: تيار الإخوان، وهو تيار معاد بطبيعته للثقافة بوصفها ابتداعاً يناقض منطق تفكيرهم القائم علي الإتباع، والتيار الثاني هو شلة أصحاب المصالح من نواب الحزن الوطني من رجال الأعمال أو من المستقلين الإنتهازيين الذين يغيرون انتماءاتهم بين يوم وليلة. حصيلة المثقفين: صفر. أسماء من قبيل فتحية العسال، د. أحمد عبدالله لم يحصلوا سوي علي بضعة أصوات. والأمر ليس بالجديد، فالحال هكذا منذ لطفي السيد الذي خسر في الإنتخابات النيابية لأن خصمة أشاع أنه كافر لمناداته بالديمقراطية.

    By Blogger Sameh, at 12:58 PM  

  • Change destiny:
    للأسف تحول "المثقف" من دور اجتماعي/سياسي إلي مهنة، أو باب رزق. أنا لست ضد أن يعيش الكاتب أو المفكر من فكره، ولكن مايصيبني بالغثيان أن يتحول أصحاب الفكر إلي مرتزقة يأكلون علي كل الموائد، ويهادنون كل الأفكار. وهذا النوع ممن يوصفوا بالمثقفين هو الوجه الآخر للعملة للمثقف المشغول بصنع الحداثة الورقية الذي أشرت إليه في ردي علي شخصية افتراضية.
    أما عن تعريف المثقف فهناك الكثير من التعريفات. لكن مشلكة التعريفات أنها تركز علي ماينبغي أن يكون متغافلة عما هو قائم بالفعل. إن أفضل وسيلة لفهم ما يعرف بالمثقف (وأنا هنا أتكلم عن الحالة المصرية)هي أن نرصد تاريخه الإحتماعي، وتحولاته، واستجاباته للمتغيرات الداخلية في مجتمعه، والمتغيرات الخارجية. هذا ما يشغلني الآن، ولعلني أكتب في ذلك مستقبلاً. شكراً علي التعليق.

    By Blogger Sameh, at 1:14 PM  

  • By Anonymous I love the philosophy, at 2:41 PM  

Post a Comment

<< Home